للاستشارة اضغط هنا

المدونة

كيف تطورت الهندسة المعمارية للمساجد عبر القرون

يعد المسجد ذا أهمية دينية وسياسية كبيرة للمسلمين ويعود تاريخه إلى بدايات الإسلام حيث تم بناء أول مسجد عام 622 م والمسمى بمسجد قباء في المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، ويبلغ عدد المساجد في العالم اليوم 3.85 مليون مسجد.

تبنى بعض المساجد وفقاً لتصاميم مبتكرة تضعها أيادٍ خبيرة تجعلها روائع معمارية ولدراسة التطور الذي حصل على بناء المساجد عبر القرون حددنا عدداً من المساجد الهامة من الناحية المعمارية أو الأثرية.

يعد المسجد الكبير بمكة المكرمة أقدم وأكبر مسجد في العالم بسعة تصل إلى 1،5 مليون من المصلين ، وقد خضع لعمليات تجديد وتوسعات كبيرة على مر السنين.

في البداية، كان صحن المسجد الصغير يحيط بالكعبة التي تحتوي على الحجر الأسود ضمن هيكل أعمدة خشبية. وخلال التجديد الأول، تم استبدال الأرضيات الخشبية بالرخام والزخارف بالخط العربي وأضيفت بعض المآذن إلى المحيط. على الرغم من التجديدات المتعددة التي طرأت على المسجد مع تزايد الحاجة لاستيعاب المزيد من الحجاج إلا أن بعض العلامات الدالة على المعالم المعمارية للنمط العثماني قد بقيت حتى يومنا هذا.

يعد المسجد النبوي في المدينة المنورة ثاني أقدس مكان في الإسلام والمسجد الثالث في التاريخ وتم بناؤه في عام 622م كما تمت زخرفته وإعادة تتزيينه بشكل كبير من قبل الحكام الإسلاميين على مر السنين وكان أول مكان توفر له الإضاءة الكهربائية في شبه الجزيرة العربية كلها. تعتبر القبة الخضراء من أبرز المعالم الموجودة في الموقع وتدعى بالروضة الشريفة لتظليلها لقبر النبي الكريم صلوات الله عليه، وتقع في الركن الجنوبي الشرقي من المسجد ، وأصبحت عنصرًا معماريًا معروفًا بعد طلائها باللون الأخضر في عام 1837م.

إن مسجد قبة الصخرة المشهور بقبته الذهبية، التي أطلقت عليها منظمة اليونسكو صفة أكثر المعالم البارزة في القدس، والذي تم بناؤه في الفترة من 691 إلى 692 ميلادي وهو أحد أقدم وأشهر إبداعات العمارة الإسلامية في العصر الأموي.

يعلو القبة الذهبية هلال ذهبي يرمز إلى شعار الديانة الإسلامية ، لكن على الرغم من أن للقمر دورًا مهمًا في التقويم الإسلامي وفي الهندسة المعمارية للمسجد بشكل الهلال، إلا أنه يعد والتصاميم النجمية أدوات للديكور فقط.

وفي تقليد عصري جديد استوحى مفهوم التصميم من مسجد قبة الصخرة نجد أنفسنا أمام تصميم مبهر لمسجد  Ubudiahفي مدينة كوالا كانغسار في ماليزيا حيث يضم  مسجد أربعة مآذن تعلوها قبب صغيرة ذهبية.

تعد قبب المساجد كدلالة على خزائن السماء وقد كانت توضع فوق المحراب في السنوات الأولى ثم في وقت لاحق بدأت القبب المعمارية تغطي قاعة المسجد بأكملها وزينت بأشكال هندسية وتصاميم مختلفة في الداخل والخارج.

إن بعض العناصر المعمارية للمساجد تكون ضرورية لأنها تخدم غرضًا دينيًا وبعضها قد يكون رموزاً فقط، وبالتالي قد يحتوي المسجد أو لا يحتوي على بعض هذه الميزات المعتادة للهندسة المعمارية الإسلامية.

على سبيل المثال فإن المئذنة هي برج مرتبط بالمسجد وتؤدي وظيفتين رئيسيتين: النداء إلى الصلاة بواسطة الأذان، وتوفير نقطة بصرية محورية للسكان. إن بناء المساجد الأول لم يتضمن المآذن لعدم الحاجة إليها في السابق ولكنها ظهرت في القرن التاسع لاتساع المدن والحاجة للدلالة على مكان المسجد بالصوت والرؤية.

إن أطول مئذنة في العالم يبلغ ارتفاعها 210 متر وتوجد في مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء في المغرب.

في حين أن أقدم مئذنة أقيمت توجد في الجامع الكبير بالقيروان في تونس وقد شيدت في عام 836 م. ويحتوي هذا الجامع أيضاً على أقدم منبر في العالم. وهو عبارة عن منبر ذي درجات يقوم فيه الإمام بإلقاء الخطب والدروس وهو موجود على يمين المحراب. هذا الدرج المكون من 11 درجة مصنوع من خشب الساج المنحوت والمزخرف ويعتبر جوهرة الفن الإسلامي في الخشب.

برج المالوية - المئذنة الحلزونية الشهيرة في جامع سامراء الكبير في العراق تعد الجزء الوحيد من المسجد التي ما زالت قائمة وقد تم إدراجها كموقع تراث عالمي في اليونسكو.

وعلى الرغم من أهمية المآذن مع تقدم الزمن، إلا أن مسجد الشيخ لطف الله تم بناؤه دون إرفاق أية مئذنة فيظهر بشكل غير اعتيادي من الناحية المعمارية وقد تم بناؤه في القرن السابع عشر تحت حكم شاه صباح في إيران.

وقد واجه مثيل جامع لطف الله في العمارة المعاصرة جدلاً طويلاً للغاية حيث تم تصميمه وبناؤه دون مئذنة وهو جامع Vali-e-Asr  في طهران وقد تمت معارضة بنائه بشدة من قبل المحافظين الإيرانيين نتيجة رمزية المنارة في العمارة الإسلامية.

مع انتشار الإسلام تأثرت التصاميم الهندسية والعمرانية للمساجد العمارة بالمكان الذي تم بناؤه فيها وفقاً لحضارة الأرض الجديدة.

إن المحراب وهو السمة الأساسية في عمارة أي مسجد هو فجوة نصف دائرية في جدار المسجد تشير إلى اتجاه الكعبة لأداء الصلاة.

حتى مع انتشار الإسلام إلى آسيا وتأثره بالتقاليد المحلية في الهندسة المعمارية ، اتبعت قاعدة التوجه نحو القبلة بدقة، فأكبر مسجد في الصين مسجد شيان الكبير يعد مثالاً جيدًا على الجمع الدقيق بين التقاليد المعمارية الصينية والوظيفة الإسلامية، حيث يتماشى بالهيئة مع المباني التقليدية على طول الشمال والجنوب وفقًا لفنغ شوي، لكن قبلة المسجد تتجه نحو الغرب باتجاه مكة بجدار القبلة الخشبي المنحوت والمزخرف بالتصاميم النباتية والخطية.

قد تم بناء جامع في مدينة طوكيو في اليابان على النمط العثماني التقليدي وهو يمثل أكبر مسجد في اليابان والذي بناه مهاجران روسيان بعد دراسة الفن المعماري العثماني.

لكن أكثر المساجد العثمانية شهرة هو مسجد السلطان أحمد في إسطنبول في تركيا والمعروف باسم المسجد الأزرق وقد تم بناؤه عام 1616م. وتمت تسمية المسجد بهذا الاسم بسبب لونه، وهو مسجد عريق وفخم يضم 200 نافذة زجاجية ملونة وخمس قبب رئيسية وثمانية قباب ثانوية مع ستة مآذن.

وتبعاً للون الأزرق فهناك مسجد جميل آخر يتألق باللون الأزرق في مدينة كازان الروسية واسمه مسجد كول شريف، وهو عبارة عن تصميم عمراني حديث متأثر بالتصميم الأوروبي التقليدي مع بعض العناصرمن عصر النهضة والعمارة العثمانية. وقد تعرض المسجد للتدمير في القرن السادس عشر ولكن بمساهمة من عدة دول خاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أعيد بناؤه في عام 2005م.

ويوجد في الإمارات العربية المتحدة نفسها أجمل تحفة في عمارة المساجد وأكبر مسجد في الدولة الواقعة في أبو ظبي - مسجد الشيخ زايد الكبير والذي يضم 82 قبة من سبعة أحجام مختلفة و 4 مآذن وتكسو أرضية صحن المسجد ألواح من الرخام العريق الفاخر كاريرا المستورد من إيطاليا.

تحفة معمارية أخرى من التحف المعاصرة، مسجد بادشاهي في مدينة لاهور في باكستان والذي تم بناؤه على تصميم مستوحى من العمارة الفارسية والتخطيط الهندسي الإسلامي والذي بمزجهما معاً تم إحداث نمط العمارة المغولية مع إضافة قبب خاصة متميزة وهو مبني من الحجر الرملي الأحمر والرخام الأبيض ويعد أكبر مسجد مبني على نمط العمارة المغولية.

مثال فريد آخر للعمارة الهندية الإسلامية الهندية، يقع مسجد حاجي دارغا في وسط البحر في مومباي، وتم بناء مسجد دارغا على جزيرة صغيرة على بعد 500 متر من الساحل ويرتبط بالمدينة عن طريق جسر ضيق يختفي في المد العالي ، مما يجعل الوصول إليه غير ممكن إلا أثناء انخفاض المد.

تحتوي القاعة الرئيسية على أعمدة رخامية تتميز بأعمال المرآة الفنية لأنماط من الزجاج المشمع الأزرق والأخضر والأصفر المترافقة مع الخط العربي الذي زين المسجد بأسماء الله التسعة والتسعين.

وبالحديث عن المساجد القريبة من المياه هناك تحفة أخرى تعد أعجوبة في التصميم الحديث في المسجد الكريستالي الذي يقع في متنزه التراث الإسلامي في جزيرة وان مان في ماليزيا. يتكون الهيكل الخارجي من الكريستال والزجاج والفولاذ، وهي مواد غير اعتيادية للاستخدام في عمارة المساجد، ولكن التصميم حافظ على ميزات المساجد التقليدية ضمن إطار من الهندسة المعمارية المعاصرة.

على مر القرون ، تم تطوير أربعة أنماط رئيسية للعمارة الإسلامية:

النمط العربي - في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية والعراق والمشرق وشمال إفريقيا ويشمل الأنماط الإسلامية القديمة

النمط الفارسي - في إيران وأفغانستان وباكستان

النمط العثماني - في تركيا وبعض الدول العربية

النمط المغولي - في الهند

يتم في بعض الأحيان تحويل الكنائس والمعابد الأخرى إلى مساجد ، مما يضفي بصمة غريبة على الأساليب المعمارية الإسلامية.

أحد هذه المساجد هو مسجد قرطبة الكبير الذي تعددت هويته عبر الزمن من معبد روماني إلى كنيسة مسيحية مخصصة لسانت فنسنت الثالث قبل أن يتم تحويله إلى مسجد فيه قاعة مستطيلة للصلاة ويشبه تخطيطه أقدم المساجد التي بنيت في الإسلام.

يشتهر المسجد بقاعة الأعمدة المقوسة التي تضم 856 عمودًا مصنوعًا من الرخام والجرانيت والعقيق ومادة الجاسبر.

إن بعض معالم مسجد قرطبة تم اعتبارها مستوحاة من الجامع الأموي أو المسجد الكبير في دمشق ، والذي تم بناؤه أيضًا على موقع الكنيسة المسيحية سابقاً. وهو يعج واحد من أقدم المساجد في العالم التي حافظت على المعالم المعمارية الأولية والهيكل العام منذ بنائها في القرن الثامن حتى الآن ويعد تحفة من تحف الهندسة المعمارية الأموية المتميزة بقبة النسر ونمط الزخارف الطبيعية على واجهة المسجد وجدرانه الخارجية.

رغم أن بعض أقدم المساجد قد حافظت على تفاصيل الأساليب المعمارية التقليدية، إلا أن هندسة المساجد في العصر الحالي تأثرت بشكل واضح بالأفكار والمفاهيم الحديثة.

ويدل رابع أكبر مسجد في العالم مسجد فيصل في إسلام آباد على جمال التصميم المعاصر في عمارة المساجد. حيث لا يحتوي المسجد على القبة التقليدية المعتادة وإنما تم تصميمها على شكل صدفة ثمانية الجوانب كقبة نموذجية معاصرة.

لا يتبع النمط المعماري الإسلامي NEO أي معايير تقليدية أو معاصرة حتى في التصميم، ولكن العناصر الأساسية للمفهوم الإسلامي تم حفظها.

حيث تشتمل تفاصيل بناء المساجد التقليدية على نقوش بالخط العربي، والزخارف النباتية، والأنماط الهندسية، والآرابيسك، وآيات من القرآن الكريم في الخارج والداخل، حيث يتطلب بناء المسجد وتزيينه الكثير من أعمال الحرفيين وساعات العمل لما فيه من تفاصيل دقيقة للغاية.

تأثر نمط NEO بشدة بأنماط المينيماليست في التصميم المعماري فجاء التصميم بسيطاً ذا تفاصيل أقل في الديكور في الخارج والداخل. وكان المفهوم الأساسي للفكرة وراء هذا التصميم هو التركيز على الجوهر الروحي.

يُعتبر مسجد Sancaklar في إسطنبول الأكثر إبداعًا دينيًا في الوقت الحاضر وهو مثال حي على هندسة المساجد الحديثة من نمط المينيماليست.

أيّاً كانت المعايير المستخدمة في بناء المسجد وإن أشكالًا وأنماطًا مختلفة، فإنه على مر القرون قد تم بناء المساجد بإيديولوجيا الجمالية التي أمّنت للناسكين القيام بعبادتهم ضمن مناخ تشوبه السكينة والخشوع والاحساس بالطمأنينة.

إن كل عنصر تصميم في المساجد وكل تفصيل له معنى ديني عميق ويتركز حول مفهوم العبادة ، وبالتالي فإن أهم الميزات في بنية المساجد هي التركيز على المضمون والمغزى.